الجنيد البغدادي

65

رسائل الجنيد

الصدق والوفاء ، وصار قلبه مقيدا بقيد القرب والنجوى ، فعند ذلك يجول هذا العبد بالنفس في ميدان حسن الرياضة والرعاية ، ويجول بالروح في ميدان رؤية المنة ، ويجول القلب في ميدان القرب والمشاهدة ، فصارت النفس مقهورة تحت سلطان عقله وصار الروح مدهوشا تحت جلال هيبته ، وصار القلب مزينا تحت جمال ربوبيته ، فحينئذ يقوم هذا العبد بشكره وشكر شكره ، ويصير بالكلية مستغرقا في أبحر ذكره ، ويجول بالسر في منتهى عزه ، ويرتع في روضات قدسه ، ويطير بجناح الهمة في سرادقات غيبه ، ويجول في ميادين قدرته ، ويسبح في بحار هويته . ولو أن أهل الغفلة اطلعوا على قلوب القاصدين إليه عند أوقات جولانها ، في حجب الغيوب وعند طيرانها في سرادقات الجبروت لماتوا حسرة من حرمان هذه النعمة ، وإن جميع الذين وقعوا في الضلالات ما وقعوا إلا لتوهمهم في مراتب الأولياء والأصفياء الذين جعلهم اللّه آية للعالمين ، وهم الذين لا يعرفهم إلا من جعل اللّه سبحانه وتعالى له نورا في سراج الديمومة ، فمن لم يجعل اللّه له ذلك النور فماله من نور . فكل من أراد أن يكون أهلا لمقصوده والوصول إلى قربه ، فينبغي له أن يراعي نفسه في مراعى القيام للّه تعالى بطاعته على متابعة الكتاب والسنة « 1 » من غير أن يفتر على ذكره وخدمته طرفة عين وأن يراعى روحه في مراعى لطائف الحضرات ، ودقائق

--> ( 1 ) الواقع أن كلام الإمام الجنيد هنا في غاية الأهمية ، ويدل دلالة كبيرة على أن مرجعية الإمام تتمثل في القرآن والسنة ، ومن ثم كان نشأة التصوف إسلاميا ، وليس كما يعتقد بعض المستشرقين ومن على شاكلتهم أنه تأثر بمصادر أجنبية حيث يقول : « فكل من أراد أن يكون أهلا لمقصوده والوصول إلى قربه فينبغي له أن يراعى نفسه في مراعي القيام للّه تعالى بطاعته على متابعة القرآن والسنة » ويقول أيضا : " الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته ولزم طريقته " حلية الأولياء ، ج 10 ، ص : 257 . وفي ظننا أن ما ذهب إليه الإمام الجنيد يمثل في نظرنا التصوف الصحيح ، وهذا ما أشار إليه الصوفية في قولهم : الكشف الحق هو الذي لا يعارض الكتاب والسنة ، والمريد الصادق هو الذي يدع الكشف ويتمسك بالكتاب والسنة ، واللّه سبحانه وتعالى ضمن للإنسان من العصمة في الكتاب والسنة ، ولم يضمنها عن طريق الكشف والإلهام ولا الرؤى ولا المشاهدة ، وإذا لم يوافق الكشف الشريعة فلا ينبغي العمل به ، وهذا رأي الصوفية . وقال أبو علي الجوزجاني : " كن صاحب استقامة لا صاحب كرامة ، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة وربك يطلبك بالاستقامة " ابن خلدون : شفاء السائل ، ص : 32 وانظر : د . حسن الشرقاوي : معجم ألفاظ الصوفية ، ص : 242 . وانظر أيضا دراستنا : التصوف عند ابن خلدون ، الناشر دار العلم بالفيوم ، ص : 37 .